النويري

357

نهاية الأرب في فنون الأدب

فأما عبد اللَّه بن أبىّ فكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوّجوه ثم يملَّكوه عليهم ، فجاءهم اللَّه تعالى برسوله صلى اللَّه عليه وسلم وهم على ذلك ، فلما انصرف قومه عنه إلى الإسلام ضغن ، ورأى أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قد استلبه ملكا ، فلما رأى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارها مصرّا على نفاق . وقد روى عن [ أسامة ابن زيد « 1 » ] بن حارثة قال : ركب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى سعد بن عبادة يعوده من شكوى أصابته ، على حمار عليه إكاف فوقه قطيفة فدكية مختطمة بحبل من ليف ، وأردفنى صلى اللَّه عليه وسلم خلفه ، قال : فمر بعبد اللَّه بن أبىّ بن سلول ، وهو في ظلّ مزاحم « 2 » أطمه ، وحوله رجال من قومه ، فلما رآه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم تذمّم « 3 » من أن يجاوزه حتى ينزل ، فنزل فسلَّم ثم جلس فتلا القرآن ، ودعا إلى اللَّه عزّ وجلّ ، وذكَّر باللَّه وحذّر وبشّر وأنذر ، قال : وهو زامّ « 4 » لا يتكلم ، حتى إذا فرغ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من مقالته ، قال : يا هذا ، إنه لا أحسن من حديثك هذا إن كان حقّا ، فاجلس في بيتك فمن جاءك له فحدّثه إياه ، ومن لم يأتك فلا تغشه به ، ولا تأته في مجلسه بما يكره منه . فقال عبد اللَّه بن رواحة في رجال كانوا عنده من المسلمين : بلى فاغشنا به وأتنا في مجالسنا ودورنا وبيوتنا ، فهو واللَّه ما نحبّ ، وما أكرمنا اللَّه به وهدانا له ، فقال عبد اللَّه حين رأى من خلاف قومه ما رأى : متى ما يكن مولاك خصمك لم تزل تذلّ ويصرعك الذين تصارع وهل ينهض البازي بغير جناحه وإن جذّ يوما ريشه فهو واقع قال : فقام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فدخل على سعد بن عبادة وفى وجهه ما قال عدوّ اللَّه ، فقال سعد : واللَّه يا رسول اللَّه ، إني لأرى في وجهك شيئا ؛ لكأنك

--> « 1 » الزيادة من ابن هشام . « 2 » مزاحم : اسم الأطم . والأطم : الحصن . « 3 » تذمم : استنكف . « 4 » زام : رافع رأسه لا يقبل عليه كبرا .